ريم نجد
02-03-2011, 10:07 PM
النهي عن تصديق الساحر والكاهن والعراف
ولا نصدق كاهنا ولا عرافا ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة .
--------------------------------------------------------------------------------
نعم. لا نصدق الساحر ولا الكاهن ولا العراف، ولا من يخالف إجماع الأمة من عقيدة المؤمن: أنه لا يصدق السحرة ولا الكهنة ولا العرافين.
من هو الكاهن والعراف والمنجم؟ الكاهن هو الذي يدعي علم المغيبات في المستقبل، يقال له: كاهن يدعي علم الغيب في المستقبل، أو يخبر عما في الضمير، ويكون له رائيّ من الجن يأتيه ويخبره، يقال له: كاهن، يدعي الغيب عن طريق هذا الرائي الذي يخبره، والعراف هو الذي يدعي معرفة ما في الضمير، أو الذي يدعي معرفة المسروق، ومكان الضالة يدعي علم الغيب، يدعي أنه يعرف المسروق ومكان الضالة، ويدعي الغيب، ويدعي معرفة. .. إما يدعي أنه قيل: هو من يدعي معرفة ما في ضميره، ولا نعرف ما في ضميره، هذا دعوته أو يعرف مكان المسروق أو مكان الضالة بغير يعني: سبب معروف، كالقائف الذي يعرف القيافة، أوهو الذي يعرف الأثر هذا لا يدخل في هذا، لكن هذا بالغيب يدعي علم الغيب عن طريق معرفة مكان المسروق، ومكان الضالة والمنجم يدعي علم الغيب عن طريق معرفة النجوم، ويستدل بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية.
والساحر هو الذي يعقد عقدا، وينفخ فيها مستعينا على ما يريد بالشياطين، وكل من الكاهن والعراف والمنجم والساحر كلهم كفرة إذا كانوا يدعون الغيب، لكن طرقهم متعددة، يجمعهم شيء واحد، وهو أنهم يدعون الغيب أو يتكلمون فيها، ولو بالتخييل أو بالتخمين.
فالذي يدعي معرفة ما في المستقبل، والذي يضرب بالرمل، والذي يخط في الرمل، والذي يضرب بالحصى، والذي يكتب: أبجد هوز، والذي يدعي معرفة النجوم، والذي يستخدم الجن، والذي يفتح الكتاب، ويحضر الجن، فكل هؤلاء إذا كانوا يدعون الغيب، فهم كفرة كل من عنده وسائل بها يدعي معرفة المغيبات كليا أو جزئيا، فهو كاهن وعراف وساحر .
السحر في اللغة عبارة عما دق وخفي ولطف سببه، الشيء الخفي، ومنه سمي السحر سحرا؛ لأنه يقع خفيا آخر الليل، ومنه قوله -صلى الله عليه وسلم-: « إن من البيان لسحرا »1 يسمى الكلام الفصيح سحرا، ومن ذلك النمام الذي يظهر النصح، ويبطن الشر والفساد، ويوقع بين الناس العداوة، يسمى سمي في الحديث من السحر نوع من السحر: ألا أنبئكم العضه هي النميمية القالة بين الناس.
وأما السحر شرعا واصطلاحا، فهو عزائم ورقى وعقد، تؤثر في القلوب والأبدان، فتمرض وتقتل وتفرق بين المرء وزوجه، فإذا الساحر هو الذي يعقد عقدا أو ينفخ فيها مستعينا على الوصول إلى ما يريد بالشياطين.
حكم السحر الاستقسام بالأزلام والضرب بالحصى، والخط بالرمل حكم السحر بالإقدام عليه تعلما وتعليما وفعلا محرم بالاتفاق، ثم اختلف في التحريم، هل يصل إلى درجة الكفر؟ .
ومحل الخلاف ما إذا لم يتضمن سحره كفرا، فإن تضمن سحره كفرا كنداء الجن أو غيره، فهو كفر بالاتفاق، فالجمهور كمالك وأبي حنيفة وأحمد يقولون: الساحر كافر مطلقا، يقولون: الساحر كافر، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ﴾2 قال أصحاب أحمد: إلا أن يكون سحره في … وفي أشياء تضر فإنه لا يكفر.
أما الشافعي -رحمه الله- فإنه يفصل يقول: إن تضمن سحره كفرا فهو كافر، وإن لم يتضمن سحره كفرا، فإن استباحه كفر، وإن لم يستبح يكون مرتكبا لكبيرة كيف يتضمن سحره كفرا؟ يتقرب إلى الشياطين، ينادي الشياطين يخاطبهم، يتقرب إليهم، يذبح لهم يتقرب إليهم بما يريدون من البخور وغيره، أما إذا لم يفعل شيئا من ذلك، يقول: إن هذا إن استحله كفر وإن لم يستحله، فإنه يرتكب محرما كبيرا.
واتفق العلماء على أنه إذا تضمن السحر كفرا، فهذا يكفر بالاتفاق، فالسحر محرم بالكتاب والسنة والإجماع، ثم قيل: إنه كفر فيقتل بكفره، وقيل: إن السحر ليس بكفر، بل هو كبيرة، فيقتل حدا منعا لشره، لا لكفره كما قال الإمام الشافعي، والضرب بالحصى والخط بالرمل إذا ادعى صاحبه علم المغيبات، أو معرفة النجوم، فحكمه حكم السحر والاستقسام بالأزلام حكمه محرم وكبيرة؛ لأنه ميسر، لأنه من الميسر والقمار.
أنواع النجوم التي من السحر نوعان: أحدها علمي، وهو الاستدلال بحركات النجوم على الحوادث من جنس الاستقسام بالأزلام، وهذا محرم وكبيرة.
والثاني عملي هذا محرم وكبيرة، والثاني عملي، وهو الذي يقولون: إنه القوة السماوية للقوة المنفعلة الأرضية كطلاسم ونحوها، وهذا من أرفع أنواع السحر .
حكم الساحر وحده: جمهور العلماء و أكثرهم يوجبون قتل الساحر، وأنه كافر، جمهور العلماء يوجبون قتل الساحر لكفره، فيقولون: حده القتل، وحكمه الكفر، حكمه الكفر، وحده القتل. وقال آخرون: إنما يقتل حدا لدفع شره وفساده، لا لكفره .
والصواب أنه يقتل كفرا، وقد ثبت قتل الساحر عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وحفصة بنت عمر وجندب بن عبد الله، وهو مأثور عن الصحابة، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في المنصوص عنه لقول الله تعالى: ﴿ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴾3 وقوله سبحانه: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾2 وقوله سبحانه: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ﴾2 أي: بتعلم السحر، وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾2 واختلف العلماء: هل يستتاب الساحر أم لا؟ ذهب مالك إلى أنه لا يستتاب، ولا تقبل توبته، يعني: في الدنيا، وهو الراجح .
وذهب بعض العلماء إلى أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، واختلف الموجبون لقتله، وهم الجمهور هل يقتل كفرا أو حدا؟ يعني: هل يكفر بالسحر، فيقتل بكفره أم يقتل لسعيه في الإرض بالفساد، فيقتل لمنع شره لا لكفره، فالجمهور على أنه كافر، يقتل كفرا لا حدا، كما سبق، وقالت طائفة: إنه لا يكفر إلا إذا تضمن سحره كفرا، في قوله أو عمله، وحينئذ فيقتل لكفره، وإن لم يتضمن سحره كفرا، فلا يخلو أن يكفر بسحره أم لا، فإن كفر بالسحر قتل حدا، وإن يكفر بالسحر عوقب بدون القتل.
وهذا منقول عن الإمام الشافعي، وهو رواية عن الإمام أحمد، واتفق العلماء على أن ما كان من جنس دعوة الكواكب السبعة أو غيرها أو خطابها، أو السجود لها أو التقرب إليها بما يناسبها من اللباس والخواتم والبخار ونحو ذلك والمناجاة للكواكب، فإنه كفر، وهو من أعظم أبواب الشرك، يخاطب -مثلا- الخطاب دعوة الكواكب السبعة، ما هي الكواكب السبعة؟ هي المشترى والمريخ زحل وعطارد وزهرة والشمس والقمر.
هذه الكواكب السبعة، فمن كان من جنس دعوة الكواكب السبعة أو خطابها إذا دعاها أو خاطبها أو نادها، فهذا كفر كذلك، وإذا تقرب إليها بما يناسبها من اللباس والخواتم والبخور، وكذلك إذا نادى الكواكب يزعم أنهم ينادون الكواكب، والواقع أنه ينادي الجن، فإن هذا كفر، وهو من أعظم أبواب الشرك، وهو من جنس فعل الصابئة قول إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-؛ لهذا حكى الله عنه بقوله: ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾4 يريهم إيهاما؛ لأنه الصابئة تقول: إنها مدبرة للعالم، وإنها تأتي بالخير والشر، واتفق العلماء على أن كل رقية أو تعزيم وقسم فيه شرك لله، فإنه لا يجوز التكلم به، وإن أطاعته به الجن أو غيرهم، وكذلك كل كلام فيه كفر، لا يجوز التكلم به، وكذلك الكلام الذي لا يعرف معناه لا يتكلم به؛ لإنكار أن يكون فيه شرك لا يعرف؛ ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا »5 ولا يجوز الاستعانة بالجن، فقد ذم الله الكافرين على ذلك، فقال: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴾6 وقد أخبر الله عن الذين يزعمون أنهم يدعون الملائكة، ويخاطبونهم بهذه العزائم أنهم ضالون، وإنما تنزل عليهم الشياطين، لا الملائكة في قوله عز وجل: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ﴾7 كما أخبر أن كلا من الجن والإنس يستمع بالآخرة، في قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾8 فاستمتاع الإنس بالجن في قضاء حوائجه وامتثال أمره وإخباره بشيء من المغيبات واستمتاع الجن بالإنس في تعظيمه إياه واستعانته به واستغاثته وخضوعه له، أي: يعني: بالشركيات التي حمله عليها حكم حوار الكاهن، وما تعاطاه المنجم والضارب بالحصى، والذي يخط بالرمل وصاحب الأزلام التي يستقسم بها، الأجرة التي يتعاطاها، ما تعاطاه هؤلاء حرام وسحت، كما في الصحيح: « ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وحلوان الكاهن خبيث »9 ويدخل في حلوان الكاهن ما يتعاطاه هؤلاء حلوان الكاهن يعني: أجرته على الكهانة سمي حلوانا؛ لأنه يأخذه حلوا بدون مشقة.
أما حكم فعلها فقد حكى الإجماع على تحريمه غير واحد كالبغوي والقاضي عياض وغيرهم حكم الإتيان للسحرة؟ وسؤالهم وتصديقهم؟ إن كان على وزن التصديق لهم في كل ما يخبرون به، والتعظيم للمسئول، فهو حرام الإيتان للسحرة والكهنة.
دليل ذلك ما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن معاوية بن الحكم السلمي قال: « قلت: يا رسول الله، أمورا كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان قال: فلا تأتوا الكهان »10 وفي صحيح مسلم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: « من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل صلاة أربعين يوما »11 وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: « من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد »12 وأما إن كان يسأل المسئول ليمتحن حاله، ويختبر باطن أمره، وعنده ما يميز به صدقه من كذبه، فهذا جائز كما ثبت في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- « سأل ابن الصياد، فقال: ما يأتيك؟، قال: يأتيني صادق وكاذب، قال: ما ترى؟ قال: أرى عرشا على الماء، قال: فإني قد خبأت لك خبيئا. قال: الدخ. قال: اخسأ، فلن تعدو قدرك، فإنما أنت من إخوان الكهان »13
وكذلك إذا كان يسمع ما يقولون، ويخبرون به عن الجن، كما يسمع المسلمون ما يقول الكفار و الفجار؛ ليعرفوا ما عندهم، فيعتبرون به، وكما يسمع الخبر الفاسق، ويتبين، ويتثبت، فلا يجزم بصدقه ولا كذبه إلا ببينة كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾14 وكما في الحديث: « إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم »15 فقد جاز للمسلمين سماع ما يقولونه، ولا يصدقوهم، ولا يكذبوهم.
حكم طلب السقيا بالنجم، ونسبة الأحداث إليها وحكم من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا. طلب السقيا بالنجم مايجوز، وهو من عمل أهل الجاهلية، ففي الحديث: « أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستقساء بالنجوم، والنياحة »16 ونسبة الأحداث إلى النجم وطلب الاستقساء و قوله مطرنا بنوء كذا وكذا، إن كان يعتقد أنه عند ذلك النجم يحصل المطر، فهذا كفر أصغر، وإن كان يعتقد أن له تأثيرا أن للنجم تأثيرا في إنزال المطر، فهذا كفر أكبر يخرج من الملة، دليل ذلك ما في الصحيحين عن زيد بن خالد -رضي الله عنه-: « خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على إثر سماء كانت من الليل فقال: أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب »17
صناعة التنجيم وحكمها مع الدليل: صناعة التنجيم التي مضمونها الإحكام والتأثير، وهي الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية كالاستدلال بها على موت عظيم، أو ولادة عظيم، أو قيام أمة، أو تولي ملك، أو عزل ملك.
حكمها صناعة محرمة بالكتاب والسنة، بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين، الدليل قول الله تعالى: ﴿ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴾3 والتنجيم من السحر، وقال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴾18 قال عمر: الجبت السحر، وهذا تفسير بالبعض؛ لأن الجبت: كل ما لا خير فيه، فمنه السحر، فهو جزء منه .
الواجب على ولاة الأمور تجاه المنجمين والكهان والعرافين وأصحاب الضرب بالرمل والحصى ؟.
الواجب على ولاة الأمور من الحكام والعلماء وكل قادر السعي في إزالة هؤلاء ومنعهم من الجلوس في الحوانيت والطرقات والدخول على الناس في منازلهم؛ لذلك أما الحكام فبإبادتهم وإزالتهم، وأما العلماء فبمنعهم وإزالتهم إن قدروا، وإلا فببيان باطنهم وجدلهم للناس وتحذير الناس منهم، والجلوس عندهم والاستماع لهم، وأما غيرهم فبالنصح وتجنب فعلهم؛ لأن هذا من المنكر العظيم، فيجب إنكاره، وفي الحديث: « إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه »19
وقد ذم الله أهل الكتاب على عدم الإنكار، فقال: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾20
والسحر يدخل في المنكرات في الدرجة الأولى، وعموم العقوبة بسبب الفعل والسكوت هذا بفعله وهذا بسكوته، فتعم العقوبات والنكبات.
النزاع: نزاع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه، هل للسحر حقيقة مؤثرة أم هو ضرب من الخيال؟ الصواب الذي عليه أكثر العلماء وعليه المحققون من أهل العلم أن السحر له حقيقة مؤثرة، وأنه قد يؤثر في موت المسحور ومرضه من غير وصول شيء ظاهر إليه، بسبب لطم الجن له بسبب الإقسام عليه من قبل الساحر، فالساحر يقسم على الجني، والجني يلطم المسحور، فيمرض أو يقتل.
دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴾21 ومنه التخييل، فالسحر قسم منه خيال، وقسم منه له حقيقة، دليل قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴾21 ولولا أن للسحر حقيقة لما أمر الله بالاستعاذة منه، ودليل الخيال قوله تعالى: ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ﴾22 وقوله: ﴿ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ ﴾23
وذهب بعض العلماء إلى أن السحر مجرد تخييل، وأنه لا تأثير له ولا حقيقة، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة، وإليه ذهب الجصاص في كتاب الإحكام في كتاب الأحكام، وهو مذهب المعتزلة والرافضة .
دليلهم: قول الله تعالى: ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ﴾22 وقوله: ﴿ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾23
والصواب القول الأول بأن هذه الآيات تدل على أن منه خيال، ومنه ما هو له تأثير.
والصحيح أن السحر له تأثير في عين الرائي والمسحور، وهو خيال بحيث إنه لم يغير الحقائق، ففيه تأثير من جانب وتخييل من جانب، فله تأثير في المسحور بمرضه أو موته، وله خيال في عين الرأي والمسحور.
فإذا الصواب أن السحر له حقيقة، وله خيال. أما القول بأنه خيال فقط، فهذا ليس بصحيح .
والنشرة: هي حل السحر عن المسحور، وحكمها: تنقسم إلى قسمين: قسم حرام، وقسم مباح، فالنشرة حل السحر، وهي نوعان.
أولا: حل السحر بسحر مثله، فهذا لا يجوز، وهو من عمل الشيطان؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: « ولا يحل السحر إلا ساحر »9 وقوله: « النشرة من عمل الشيطان »24
ثانيا: حل السحر بأدوية ودعوات مباحة، فهذا جائز.
أنواع المشعوذين الذين يفعلون هذه الأفعال الخارجة عن الكتاب والسنة ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أهل تلبيس وكذب وخداع، ذلك وهم يعلمون ذلك، الذين يظهر أحدهم طاعة الجن له، أو يدعي الحال بأهل المحال من المشائخ النصابين الخداعين والفقراء الكاذبين والطرقية المكارية، هؤلاء يدعون السحر، ويأكلون أموال الناس بالباطل، ما وجد مهنة فتح محل، وقال: إنه يعالج الناس، وكل من أتاه يأتي له بأنواع من... هذا تدهن به، وهذا تشربه، وهذا استنشقه، وهذا كذا. ويأكل أموال الناس بالباطل.
ولا نصدق كاهنا ولا عرافا ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة .
--------------------------------------------------------------------------------
نعم. لا نصدق الساحر ولا الكاهن ولا العراف، ولا من يخالف إجماع الأمة من عقيدة المؤمن: أنه لا يصدق السحرة ولا الكهنة ولا العرافين.
من هو الكاهن والعراف والمنجم؟ الكاهن هو الذي يدعي علم المغيبات في المستقبل، يقال له: كاهن يدعي علم الغيب في المستقبل، أو يخبر عما في الضمير، ويكون له رائيّ من الجن يأتيه ويخبره، يقال له: كاهن، يدعي الغيب عن طريق هذا الرائي الذي يخبره، والعراف هو الذي يدعي معرفة ما في الضمير، أو الذي يدعي معرفة المسروق، ومكان الضالة يدعي علم الغيب، يدعي أنه يعرف المسروق ومكان الضالة، ويدعي الغيب، ويدعي معرفة. .. إما يدعي أنه قيل: هو من يدعي معرفة ما في ضميره، ولا نعرف ما في ضميره، هذا دعوته أو يعرف مكان المسروق أو مكان الضالة بغير يعني: سبب معروف، كالقائف الذي يعرف القيافة، أوهو الذي يعرف الأثر هذا لا يدخل في هذا، لكن هذا بالغيب يدعي علم الغيب عن طريق معرفة مكان المسروق، ومكان الضالة والمنجم يدعي علم الغيب عن طريق معرفة النجوم، ويستدل بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية.
والساحر هو الذي يعقد عقدا، وينفخ فيها مستعينا على ما يريد بالشياطين، وكل من الكاهن والعراف والمنجم والساحر كلهم كفرة إذا كانوا يدعون الغيب، لكن طرقهم متعددة، يجمعهم شيء واحد، وهو أنهم يدعون الغيب أو يتكلمون فيها، ولو بالتخييل أو بالتخمين.
فالذي يدعي معرفة ما في المستقبل، والذي يضرب بالرمل، والذي يخط في الرمل، والذي يضرب بالحصى، والذي يكتب: أبجد هوز، والذي يدعي معرفة النجوم، والذي يستخدم الجن، والذي يفتح الكتاب، ويحضر الجن، فكل هؤلاء إذا كانوا يدعون الغيب، فهم كفرة كل من عنده وسائل بها يدعي معرفة المغيبات كليا أو جزئيا، فهو كاهن وعراف وساحر .
السحر في اللغة عبارة عما دق وخفي ولطف سببه، الشيء الخفي، ومنه سمي السحر سحرا؛ لأنه يقع خفيا آخر الليل، ومنه قوله -صلى الله عليه وسلم-: « إن من البيان لسحرا »1 يسمى الكلام الفصيح سحرا، ومن ذلك النمام الذي يظهر النصح، ويبطن الشر والفساد، ويوقع بين الناس العداوة، يسمى سمي في الحديث من السحر نوع من السحر: ألا أنبئكم العضه هي النميمية القالة بين الناس.
وأما السحر شرعا واصطلاحا، فهو عزائم ورقى وعقد، تؤثر في القلوب والأبدان، فتمرض وتقتل وتفرق بين المرء وزوجه، فإذا الساحر هو الذي يعقد عقدا أو ينفخ فيها مستعينا على الوصول إلى ما يريد بالشياطين.
حكم السحر الاستقسام بالأزلام والضرب بالحصى، والخط بالرمل حكم السحر بالإقدام عليه تعلما وتعليما وفعلا محرم بالاتفاق، ثم اختلف في التحريم، هل يصل إلى درجة الكفر؟ .
ومحل الخلاف ما إذا لم يتضمن سحره كفرا، فإن تضمن سحره كفرا كنداء الجن أو غيره، فهو كفر بالاتفاق، فالجمهور كمالك وأبي حنيفة وأحمد يقولون: الساحر كافر مطلقا، يقولون: الساحر كافر، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ﴾2 قال أصحاب أحمد: إلا أن يكون سحره في … وفي أشياء تضر فإنه لا يكفر.
أما الشافعي -رحمه الله- فإنه يفصل يقول: إن تضمن سحره كفرا فهو كافر، وإن لم يتضمن سحره كفرا، فإن استباحه كفر، وإن لم يستبح يكون مرتكبا لكبيرة كيف يتضمن سحره كفرا؟ يتقرب إلى الشياطين، ينادي الشياطين يخاطبهم، يتقرب إليهم، يذبح لهم يتقرب إليهم بما يريدون من البخور وغيره، أما إذا لم يفعل شيئا من ذلك، يقول: إن هذا إن استحله كفر وإن لم يستحله، فإنه يرتكب محرما كبيرا.
واتفق العلماء على أنه إذا تضمن السحر كفرا، فهذا يكفر بالاتفاق، فالسحر محرم بالكتاب والسنة والإجماع، ثم قيل: إنه كفر فيقتل بكفره، وقيل: إن السحر ليس بكفر، بل هو كبيرة، فيقتل حدا منعا لشره، لا لكفره كما قال الإمام الشافعي، والضرب بالحصى والخط بالرمل إذا ادعى صاحبه علم المغيبات، أو معرفة النجوم، فحكمه حكم السحر والاستقسام بالأزلام حكمه محرم وكبيرة؛ لأنه ميسر، لأنه من الميسر والقمار.
أنواع النجوم التي من السحر نوعان: أحدها علمي، وهو الاستدلال بحركات النجوم على الحوادث من جنس الاستقسام بالأزلام، وهذا محرم وكبيرة.
والثاني عملي هذا محرم وكبيرة، والثاني عملي، وهو الذي يقولون: إنه القوة السماوية للقوة المنفعلة الأرضية كطلاسم ونحوها، وهذا من أرفع أنواع السحر .
حكم الساحر وحده: جمهور العلماء و أكثرهم يوجبون قتل الساحر، وأنه كافر، جمهور العلماء يوجبون قتل الساحر لكفره، فيقولون: حده القتل، وحكمه الكفر، حكمه الكفر، وحده القتل. وقال آخرون: إنما يقتل حدا لدفع شره وفساده، لا لكفره .
والصواب أنه يقتل كفرا، وقد ثبت قتل الساحر عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وحفصة بنت عمر وجندب بن عبد الله، وهو مأثور عن الصحابة، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في المنصوص عنه لقول الله تعالى: ﴿ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴾3 وقوله سبحانه: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾2 وقوله سبحانه: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ﴾2 أي: بتعلم السحر، وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾2 واختلف العلماء: هل يستتاب الساحر أم لا؟ ذهب مالك إلى أنه لا يستتاب، ولا تقبل توبته، يعني: في الدنيا، وهو الراجح .
وذهب بعض العلماء إلى أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، واختلف الموجبون لقتله، وهم الجمهور هل يقتل كفرا أو حدا؟ يعني: هل يكفر بالسحر، فيقتل بكفره أم يقتل لسعيه في الإرض بالفساد، فيقتل لمنع شره لا لكفره، فالجمهور على أنه كافر، يقتل كفرا لا حدا، كما سبق، وقالت طائفة: إنه لا يكفر إلا إذا تضمن سحره كفرا، في قوله أو عمله، وحينئذ فيقتل لكفره، وإن لم يتضمن سحره كفرا، فلا يخلو أن يكفر بسحره أم لا، فإن كفر بالسحر قتل حدا، وإن يكفر بالسحر عوقب بدون القتل.
وهذا منقول عن الإمام الشافعي، وهو رواية عن الإمام أحمد، واتفق العلماء على أن ما كان من جنس دعوة الكواكب السبعة أو غيرها أو خطابها، أو السجود لها أو التقرب إليها بما يناسبها من اللباس والخواتم والبخار ونحو ذلك والمناجاة للكواكب، فإنه كفر، وهو من أعظم أبواب الشرك، يخاطب -مثلا- الخطاب دعوة الكواكب السبعة، ما هي الكواكب السبعة؟ هي المشترى والمريخ زحل وعطارد وزهرة والشمس والقمر.
هذه الكواكب السبعة، فمن كان من جنس دعوة الكواكب السبعة أو خطابها إذا دعاها أو خاطبها أو نادها، فهذا كفر كذلك، وإذا تقرب إليها بما يناسبها من اللباس والخواتم والبخور، وكذلك إذا نادى الكواكب يزعم أنهم ينادون الكواكب، والواقع أنه ينادي الجن، فإن هذا كفر، وهو من أعظم أبواب الشرك، وهو من جنس فعل الصابئة قول إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-؛ لهذا حكى الله عنه بقوله: ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾4 يريهم إيهاما؛ لأنه الصابئة تقول: إنها مدبرة للعالم، وإنها تأتي بالخير والشر، واتفق العلماء على أن كل رقية أو تعزيم وقسم فيه شرك لله، فإنه لا يجوز التكلم به، وإن أطاعته به الجن أو غيرهم، وكذلك كل كلام فيه كفر، لا يجوز التكلم به، وكذلك الكلام الذي لا يعرف معناه لا يتكلم به؛ لإنكار أن يكون فيه شرك لا يعرف؛ ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا »5 ولا يجوز الاستعانة بالجن، فقد ذم الله الكافرين على ذلك، فقال: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴾6 وقد أخبر الله عن الذين يزعمون أنهم يدعون الملائكة، ويخاطبونهم بهذه العزائم أنهم ضالون، وإنما تنزل عليهم الشياطين، لا الملائكة في قوله عز وجل: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ﴾7 كما أخبر أن كلا من الجن والإنس يستمع بالآخرة، في قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾8 فاستمتاع الإنس بالجن في قضاء حوائجه وامتثال أمره وإخباره بشيء من المغيبات واستمتاع الجن بالإنس في تعظيمه إياه واستعانته به واستغاثته وخضوعه له، أي: يعني: بالشركيات التي حمله عليها حكم حوار الكاهن، وما تعاطاه المنجم والضارب بالحصى، والذي يخط بالرمل وصاحب الأزلام التي يستقسم بها، الأجرة التي يتعاطاها، ما تعاطاه هؤلاء حرام وسحت، كما في الصحيح: « ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وحلوان الكاهن خبيث »9 ويدخل في حلوان الكاهن ما يتعاطاه هؤلاء حلوان الكاهن يعني: أجرته على الكهانة سمي حلوانا؛ لأنه يأخذه حلوا بدون مشقة.
أما حكم فعلها فقد حكى الإجماع على تحريمه غير واحد كالبغوي والقاضي عياض وغيرهم حكم الإتيان للسحرة؟ وسؤالهم وتصديقهم؟ إن كان على وزن التصديق لهم في كل ما يخبرون به، والتعظيم للمسئول، فهو حرام الإيتان للسحرة والكهنة.
دليل ذلك ما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن معاوية بن الحكم السلمي قال: « قلت: يا رسول الله، أمورا كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان قال: فلا تأتوا الكهان »10 وفي صحيح مسلم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: « من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل صلاة أربعين يوما »11 وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: « من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد »12 وأما إن كان يسأل المسئول ليمتحن حاله، ويختبر باطن أمره، وعنده ما يميز به صدقه من كذبه، فهذا جائز كما ثبت في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- « سأل ابن الصياد، فقال: ما يأتيك؟، قال: يأتيني صادق وكاذب، قال: ما ترى؟ قال: أرى عرشا على الماء، قال: فإني قد خبأت لك خبيئا. قال: الدخ. قال: اخسأ، فلن تعدو قدرك، فإنما أنت من إخوان الكهان »13
وكذلك إذا كان يسمع ما يقولون، ويخبرون به عن الجن، كما يسمع المسلمون ما يقول الكفار و الفجار؛ ليعرفوا ما عندهم، فيعتبرون به، وكما يسمع الخبر الفاسق، ويتبين، ويتثبت، فلا يجزم بصدقه ولا كذبه إلا ببينة كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾14 وكما في الحديث: « إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم »15 فقد جاز للمسلمين سماع ما يقولونه، ولا يصدقوهم، ولا يكذبوهم.
حكم طلب السقيا بالنجم، ونسبة الأحداث إليها وحكم من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا. طلب السقيا بالنجم مايجوز، وهو من عمل أهل الجاهلية، ففي الحديث: « أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستقساء بالنجوم، والنياحة »16 ونسبة الأحداث إلى النجم وطلب الاستقساء و قوله مطرنا بنوء كذا وكذا، إن كان يعتقد أنه عند ذلك النجم يحصل المطر، فهذا كفر أصغر، وإن كان يعتقد أن له تأثيرا أن للنجم تأثيرا في إنزال المطر، فهذا كفر أكبر يخرج من الملة، دليل ذلك ما في الصحيحين عن زيد بن خالد -رضي الله عنه-: « خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على إثر سماء كانت من الليل فقال: أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب »17
صناعة التنجيم وحكمها مع الدليل: صناعة التنجيم التي مضمونها الإحكام والتأثير، وهي الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية كالاستدلال بها على موت عظيم، أو ولادة عظيم، أو قيام أمة، أو تولي ملك، أو عزل ملك.
حكمها صناعة محرمة بالكتاب والسنة، بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين، الدليل قول الله تعالى: ﴿ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴾3 والتنجيم من السحر، وقال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴾18 قال عمر: الجبت السحر، وهذا تفسير بالبعض؛ لأن الجبت: كل ما لا خير فيه، فمنه السحر، فهو جزء منه .
الواجب على ولاة الأمور تجاه المنجمين والكهان والعرافين وأصحاب الضرب بالرمل والحصى ؟.
الواجب على ولاة الأمور من الحكام والعلماء وكل قادر السعي في إزالة هؤلاء ومنعهم من الجلوس في الحوانيت والطرقات والدخول على الناس في منازلهم؛ لذلك أما الحكام فبإبادتهم وإزالتهم، وأما العلماء فبمنعهم وإزالتهم إن قدروا، وإلا فببيان باطنهم وجدلهم للناس وتحذير الناس منهم، والجلوس عندهم والاستماع لهم، وأما غيرهم فبالنصح وتجنب فعلهم؛ لأن هذا من المنكر العظيم، فيجب إنكاره، وفي الحديث: « إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه »19
وقد ذم الله أهل الكتاب على عدم الإنكار، فقال: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾20
والسحر يدخل في المنكرات في الدرجة الأولى، وعموم العقوبة بسبب الفعل والسكوت هذا بفعله وهذا بسكوته، فتعم العقوبات والنكبات.
النزاع: نزاع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه، هل للسحر حقيقة مؤثرة أم هو ضرب من الخيال؟ الصواب الذي عليه أكثر العلماء وعليه المحققون من أهل العلم أن السحر له حقيقة مؤثرة، وأنه قد يؤثر في موت المسحور ومرضه من غير وصول شيء ظاهر إليه، بسبب لطم الجن له بسبب الإقسام عليه من قبل الساحر، فالساحر يقسم على الجني، والجني يلطم المسحور، فيمرض أو يقتل.
دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴾21 ومنه التخييل، فالسحر قسم منه خيال، وقسم منه له حقيقة، دليل قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴾21 ولولا أن للسحر حقيقة لما أمر الله بالاستعاذة منه، ودليل الخيال قوله تعالى: ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ﴾22 وقوله: ﴿ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ ﴾23
وذهب بعض العلماء إلى أن السحر مجرد تخييل، وأنه لا تأثير له ولا حقيقة، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة، وإليه ذهب الجصاص في كتاب الإحكام في كتاب الأحكام، وهو مذهب المعتزلة والرافضة .
دليلهم: قول الله تعالى: ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ﴾22 وقوله: ﴿ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾23
والصواب القول الأول بأن هذه الآيات تدل على أن منه خيال، ومنه ما هو له تأثير.
والصحيح أن السحر له تأثير في عين الرائي والمسحور، وهو خيال بحيث إنه لم يغير الحقائق، ففيه تأثير من جانب وتخييل من جانب، فله تأثير في المسحور بمرضه أو موته، وله خيال في عين الرأي والمسحور.
فإذا الصواب أن السحر له حقيقة، وله خيال. أما القول بأنه خيال فقط، فهذا ليس بصحيح .
والنشرة: هي حل السحر عن المسحور، وحكمها: تنقسم إلى قسمين: قسم حرام، وقسم مباح، فالنشرة حل السحر، وهي نوعان.
أولا: حل السحر بسحر مثله، فهذا لا يجوز، وهو من عمل الشيطان؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: « ولا يحل السحر إلا ساحر »9 وقوله: « النشرة من عمل الشيطان »24
ثانيا: حل السحر بأدوية ودعوات مباحة، فهذا جائز.
أنواع المشعوذين الذين يفعلون هذه الأفعال الخارجة عن الكتاب والسنة ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أهل تلبيس وكذب وخداع، ذلك وهم يعلمون ذلك، الذين يظهر أحدهم طاعة الجن له، أو يدعي الحال بأهل المحال من المشائخ النصابين الخداعين والفقراء الكاذبين والطرقية المكارية، هؤلاء يدعون السحر، ويأكلون أموال الناس بالباطل، ما وجد مهنة فتح محل، وقال: إنه يعالج الناس، وكل من أتاه يأتي له بأنواع من... هذا تدهن به، وهذا تشربه، وهذا استنشقه، وهذا كذا. ويأكل أموال الناس بالباطل.